على الرغم من نفي مصر بشكل قاطع اتهامات الحكومة الإثيوبية بشأن تقديم الدعم والتمويل لجبهات التمرد والمعارضة المسلحة في إقليم تيجراي، لكن الحرب الإعلامية التي تخوضها أديس أبابا لا تتوقف عن إطلاق الاتهامات ضد القاهرة، ناسبة إليها المسؤولية عن إشاعة أجواء الاضطرابات في البلاد.

 

وقالت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، إنه "لا يمكن فهم حالة عدم الاستقرار السياسي المطوّلة في إثيوبيا والصراعات المتكررة فيها بالكامل من منظور الانقسامات السياسية الداخلية. فقد نشأت مواطن الضعف الداخلية هذه وتفاقمت بفعل أطراف محلية وخارجية سعت إلى تحقيق مصالح استراتيجية داخل إثيوبيا وفي مختلف أنحاء القرن الإفريقي".

 

وأشارت إلى أنه "من بين الأطراف الخارجية التي كثيرًا ما يحددها المحللون الجيوسياسيون تبرز مصر"، لافتة إلى أن الطرح الإثيوبي لا يقتصر على موقف مصر المعارض لسد النهضة، "بل يتمثل في أن السياسة المصرية تجاه إثيوبيا امتدت، على مدى عقود، إلى جهد سياسي ودبلوماسي أوسع يستهدف الحد من صعود إثيوبيا الاستراتيجي، وإضعاف نفوذها الإقليمي، ومنعها من بسط سيطرة أكبر على الموارد الطبيعية والاقتصادية اللازمة للتنمية الوطنية"، وفق قولها.

 

ومن هذا المنظور، يرى التقرير أن الأنشطة المصرية المتعلقة بالنيل، والصراعات السياسية الداخلية في إثيوبيا، والقضية الإريترية، والسودان، والصومال، والبحر الأحمر، وسد النهضة تشكل أجزاءً من نمط أوسع من الضغوط الاستراتيجية. ويتمثل القلق الإثيوبي الأساسي في أن احتواء إثيوبيا المنقسمة وغير المستقرة والمقيّدة اقتصادًيً أسهل من احتواء إثيوبيا المسالمة والمزدهرة والمستقلة استراتيجيًا.

 

 

الضغط على إثيوبيا


وربط التقرير بين الضغوط المصرية وضمان استمرارية تدفق مياه النيل، قائلاً: "ظل النيل المصدر الأكثر استمرارية للضغط المصري على إثيوبيا. وينبع النيل الأزرق من إثيوبيا، ويوفر حصة كبيرة من المياه المتدفقة باتجاه المصب نحو السودان ومصر. وبالنسبة إلى إثيوبيا، يمثل النهر فرصة تنموية هائلة؛ إذ يمكن لمياهه توليد الكهرباء، ودعم الري، وتوسيع الإنتاج الزراعي، وتحسين الأمن الغذائي، وإنشاء الصناعات، والمساهمة في الحد من الفقر".

 

وأشار إلى أن "إثيوبيا واجهت لعقود نظامًاً إقليميًا لإدارة المياه تشكّل إلى حد كبير بموجب ترتيبات أُبرمت من دون مشاركتها. وأصبح اتفاق مياه النيل الأنجلو-مصري لعام 1929، والاتفاق المصري السوداني لعام 1959، عنصرين أساسيين في نظام رفضته إثيوبيا باستمرار، معتبرة أنه لا يمكن أن يحدد حقوق دولة ذات سيادة تقع عند المنبع ولم تكن طرفاً في تلك الاتفاقيات".

 

وبحسب التقرير، "يستند الاعتراض الإثيوبي إلى مبدأ أساسي، مفاده أن الترتيبات التاريخية بين دول المصب لا يمكن أن تمنع دولة تقع عند المنبع بصورة دائمة من استخدام مواردها الطبيعية لتحقيق التنمية. ويقوم الموقف الإثيوبي على مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول بالمجاري المائية الدولية".

 

ومن هذا المنظور، اعتبرت أن محاولات الإبقاء على الترتيبات التاريخية المتعلقة بالمياه على حساب إثيوبيا تتجاوز كونها خلافًا حول المياه، إذ تمثل محاولة للحفاظ على نظام سياسي يظل فيه تطور إثيوبيا وتنميتها مقيدين.

 

وفي إطار تقييم الموقف المصري، يفسر التقرير الحملة المصرية المستمرة ضد مشروع سد النهضة في إثيوبيا على أنها ليست مجرد معارضة لسد، بل معارضة لتحول جوهري في الموقع الاقتصادي والاستراتيجي لإثيوبيا. ويتمثل القلق الإثيوبي في أن منع البلاد من تطوير مواردها المائية سيبقيها عالقة في الفقر وانعدام أمن الطاقة، بينما تظل إمكاناتها الطبيعية الهائلة غير مستغلة.

 

 

الضغوط الدبلوماسية


وفقاً لما ينقله التقرير عن المنتقدين الإثيوبيين، كان الضغط الدبلوماسي أحد أهم الأدوات المستخدمة ضد إثيوبيا. فبدلاً من الاقتصار على مواجهتها عبر المفاوضات الثنائية المباشرة، عمدت مصر مرارًا إلى تدويل النزاع بشأن النيل والسعي إلى حشد الدعم السياسي داخل المؤسسات الإقليمية والدولية.

 

ومن المنظور الإثيوبي، أدى ذلك إلى نشوء بيئة باتت فيها مشروعات التنمية الإثيوبية تُعامل بصورة متزايدة باعتبارها قضايا تتعلق بالأمن الدولي. ويتمثل القلق في أن الحملات الدبلوماسية قد تؤثر في المؤسسات الدولية وشركاء التنمية والمؤسسات المالية والحكومات التي ربما كانت ستدعم، لولا ذلك، طموحات إثيوبيا في مجال البنية التحتية.

 

ويرى المنتقدون الإثيوبيون أن النتيجة تتمثل في شكل من أشكال الضغط غير المباشر. فبدلاً من إيقاف مشروع بصورة مادية، يمكن للضغوط السياسية الخارجية أن تجعل التمويل أكثر صعوبة، وتعقّد الشراكات الدولية، وتخلق حالة من عدم اليقين الدبلوماسي، وتصور المبادرات التنموية الإثيوبية على أنها مصادر محتملة لعدم الاستقرار الإقليمي. ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى دولة نامية يعتمد تحولها على استثمارات كبيرة في الطاقة والنقل والزراعة والتصنيع والبنية التحتية.

 

وبالنسبة إلى الاستراتيجيين الإثيوبيين، يخلص التقرير إلى أنه لا يمكن فصل فقدان الوصول إلى البحر عن التاريخ الجيوسياسي الأوسع للقرن الإفريقي. وتُظهر السجلات الدبلوماسية الأمريكية التي رُفعت عنها السرية من سبعينيات القرن الماضي أن الدول العربية كانت منخرطة بعمق في السياسة الإقليمية المحيطة بالتمرد الإريتري. لكن السجل التاريخي لا يثبت أن مصر وحدها أنشأت الحركة الإريترية، بل إن بعض التقييمات الأمريكية ميّزت بالفعل بين مصر وبين الدول الأكثر نشاطًا في دعم المتمردين الإريتريين، مثل ليبيا والعراق وسوريا.

 

 

نفوذ مصر الدبلوماسي 

 

وشدد التقرير على أن القول إن مصر تمثل عاملاً خارجيًا رئيسًا وراء عدم الاستقرار في إثيوبيا لا يستلزم الادعاء بأنها أنشأت كل صراع إثيوبي.  ويتمثل القلق في أن مصر استخدمت نفوذها الدبلوماسي وعلاقاتها الإقليمية وتحالفاتها السياسية لتقييد المجال الاستراتيجي المتاح لإثيوبيا، ولا سيما عندما سعت إثيوبيا إلى توسيع استخدامها لمياه النيل، وتعزيز اقتصادها، وتطوير مشروعات بنية تحتية كبرى، أو استعادة وصول موثوق إلى البحر.

 

واعتبر أن سد النهضة أصبح أوضح مثال على هذه المواجهة. فقد اصطدم إصرار إثيوبيا على تطوير مواردها المائية بنظام إقليمي قائم يعتبره صانعو السياسات الإثيوبيون غير عادل وغير متوافق مع حق البلاد في التنمية. وتمثل قضية الوصول إلى البحر بُعداً آخر من الصراع نفسه.

 

ويقول التقرير إن إثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة تواجه عيوبًا اقتصادية هيكلية. أما إثيوبيا التي تتمتع بوصول بحري موثوق، وكهرباء وفيرة، وزراعة متوسعة، وتصنيع متنامٍ، وتجارة إقليمية أقوى، فستتمتع باستقلال اقتصادي وسياسي أكبر بكثير.

 

ولهذا السبب، ينظر المحللون الإثيوبيون بصورة متزايدة إلى النيل وسد النهضة والبحر الأحمر والوصول إلى البحر والسودان والصومال وإريتريا والصراعات الداخلية في إثيوبيا باعتبارها عناصر مترابطة في صراع جيوسياسي أوسع.